فخر الدين الرازي
58
تفسير الرازي
متعالياً عن الحيز والجهة ، ومعنى فطر أخرجهما إلى الوجود ، وأصله من الشق ، يقال : تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما ، وأما الحنيف فهو المائل قال أبو العالية : الحنيف الذي يستقبل البيت في صلاته ، وقيل إنه العادل عن كل معبود دون الله تعالى . قوله تعالى * ( وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّى فِى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِى وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْئاً وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ) * . اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما أورد عليهم الحجة المذكورة ، فالقوم أوردوا عليه حججاً على صحة أقوالهم ، منها أنهم تمسكوا بالتقليد كقولهم : * ( إنا وجدنا آبائنا على أمة ) * ( الزخرف : 23 ) وكقولهم للرسول عليه السلام : * ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب ) * ( ص : 5 ) ومنها : أنهم خوفوه بأنك لما طعنت في إلهية هذه الأصنام وقعت من جهة هذه الأصنام في الآفات والبليات ، ونظيره ما حكاه الله تعالى في قصة قوم هود : * ( إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ) * ( هود : 54 ) فذكروا هذا الجنس من الكلام مع إبراهيم عليه السلام . فأجاب الله عن حجتهم بقوله : * ( قال أتحاجوني في الله وقد هداني ) * ، يعني لما ثبت بالدليل الموجب للهداية واليقين صحة قولي ، فكيف يلتفت إلى حجتكم العليلة ، وكلماتكم الباطلة . وأجاب عن حجتهم الثانية وهي : أنهم خوفوه بالأصنام بقوله : * ( ولا أخاف ما تشركون به ) * لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر ، والأصنام جمادات لا تقدر ولا قدرة لها على النفع والضر ، فكيف يحصل الخوف منها ؟ فإن قيل : لا شك أن للطلسمات آثاراً مخصوصة ، فلم لا يجوز أن يحصل الخوف منها من هذه الجهة ؟ قلنا : الطلسم يرجع حاصله إلى تأثيرات الكواكب ، وقد دللنا على أن قوى الكواكب على التأثيرات إنما يحصل من خلق الله تعالى فيكون الرجاء والخوف في الحقيقة ليس إلا من الله تعالى . وأما قوله : * ( إلا أن يشاء ربي ) * ففيه وجوه : أحدها : إلا أن أذنب فيشاء إنزال العقوبة بي .